فصل: شروط الصلاة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد



.صفة الصلاة:

(مسألة): لو قال المصلي: وجهت وجهي وأسلمت، فالظاهر عدم البطلان، فقد اشتملت الصلاة على أنواع من ذلك ففي الركوع: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، ثم رأيت عبد الله بن أحمد مخرمة قال: والذي يظهر أن ذلك لا يبطل، ولا يبعد إلحاقه بما نص عليه الأئمة من أنه قال المأموم: آمنت بالله عند قراءة إمامه: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} لم تبطل صلاته اهـ.
(مسألة): عامي عجز عن القراءة والبدل لم يجب عليه تحريك لسانه وشفتيه، بل لا يجوز ذلك فتبطل به الصلاة بشرطه، وليس هو كأخرس طرأ خرسه، لأن ذلك محله في أخرس علم القراءة والذكر الواجبين، بحيث يحفظهما بقلبه ولا يطاوعه لسانه على النطق بهما، فيلزمه تحريك لسانه بهما قاصداً القراءة.
(مسألة): لا بد من الطمأنينة ببقية أعضاء السجود كالجبهة، وأن يضعها حالة وضع الجبهة، حتى لو وضعها ثم رفعها ثم وضع الجبهة أو عكس لم يكف، نعم لا يشترط التحامل بها خلافاً للشيخ زكريا، قلت: وافقه ابن حجر و (م ر) فيهما اهـ.
(مسألة): لا يجب رفع اليدين بين السجدتين، بل يجوز استدامة وضعهما على الأرض، كما قاله الإمام والسمهودي خلافاً للريمي، قلت: وافقه في التحفة.
(مسألة): تشترط موالاة التشهد لكن لا كالفاتحة، إذ العلة فيها فوات الإعجاز فيضر فيها تخلل الأجنبي وإن قل، كأن زاد بعد يوم الدين سبحانه وتعالى، أو بعد نستعين اللهم أعني على ذكرك، وكذا لو قال المأموم حينئذ: استعنا بالله ولم يقصد قراءة ولا دعاء على ما نقل عن البيان، بخلاف ما لو قال بعد ولا الضالين: اللهم إني أعوذ بك من الضلال لفراغ القراءة، والذي يظهر في التشهد أنه كتكبيرة الإحرام، فلا يضر تخلل يسير وصف فيهما كالله لا إله إلا هو، الله أكبر، وكعز وجل لا شريك له بعد التحيات لله، ومثله بعد عباد الله الصالحين وملائكته المقربين، وكالسلام عليك يا أيها النبي وفاقاً لزكريا.

.سنن الصلاة:

(مسألة): المعتمد كما رجحه الشيخان سنّ المداومة على قراءة الم تنزيل، وهل أتى في صبح الجمعة مطلقاً، وإن خيف أن يعتقدهما العوامّ فرضاً، خلافاً لابن دقيق العيد وغيره، لأن ذلك يؤدي إلى ترك كثير من السنن، كالتشهد الأول وغيره، ودواء الجهل التعلم، والذي يدل تركه للشيء على عدم الوجوب هو الشارع لا غير.
(مسألة): يستحب تطويل الركعة الأولى على الثانية، ولا بأس بعكسه للمحافظة على السنة، أكدت كمراعاة ترتيب المصحف، لكن محل ذلك فيما ورد فيه نص كما في {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} و{هَلْ أَتَاكَ} ونظائرهما، وإلا كان خلاف السنة، وبهذا يجمع بين كلام من أطلق المنع ومن أطلق الجواز.
(مسألة): يسنّ قنوت النازلة في جميع المكتوبات ولو جمعة، وإن خيف التشويش على المأمومين، وليس الجهل عذراً في تركه بل دواء الجهل كما قاله السمهودي بكون ذلك سنة تعلم كونه سنة لا تركه، ولو هوى بعض المأمومين إلى السجود لم يجب عليه العود للمتابعة، لأنه إنما ترك إطالة الاعتدال ولا فحش فيه.
(مسألة): تستحب الصلاة على النبي في القنوت، وكذا على الآل دون الصحب، فلم يقل بسنها عليهم أحد، والفرق أن لنا قولاً بوجوب الصلاة على الآل في التشهد الأخير، اختاره البيهقي والحليمي وغيرهما وأنا أختاره. قلت: رجح ابن حجر استحباب الصلاة عليهم والسلام على الكل اهـ.
(مسألة): المنقول لأصحابنا في ندب القنوت في غير الصبح من المكتوبات ثلاثة أقوال: القنوت مطلقاً عكسه الثالث الأظهر أنه يقنت للنازلة كالوباء والقحط والعدوّ والجراد وقلة المطر، بحيث لا تزول الحاجة بما حصل منه، إذ يستحب صلاة الاستسقاء لانقطاع المطر أو قلته، بحيث لم تحصل به الكفاية أو تحصل وكان في الزيادة نفع، وإذا كان هذا في الصلاة وهي يحتاط لها أكثر، فأولى استحباب القنوت لذلك في المكتوبات، ولو قنت لنازلة في نافلة كاستسقاء لم يكره على المعتمد أو لغير نازلة كره، لكن يسجد فيهما للسهو لأنه نقل ذكره إلى غير محله بنيته، وعلى الكراهة لو طوله بطلت صلاته، ويقنت لكل نازلة بما يليق بها، ولا يأتي بقنوت الصبح معه، بل ولا يكتفي به عن قنوت النازلة، إذ قنوت الصبح وإن كان من الأدعية الجامعة المشتملة على الطلب لكل خير والاستعاذة من كل شر، وأعظم به دعاء جامعاً، فقد دل الدليل على أنه يختار في كل نازلة ما يليق بها من الأدعية الخاصة بها زيادة في الاهتمام بالتصريح بالمقصود كما هو معلوم، ولا يكره ختم القنوت بنحو ربنا تقبل منا إلى آخره، بقصد الدعاء، بل هذه الآية أنسب بالمقام من آخر البقرة، ولم تزل الأئمة يختمون قنوت النوازل بهذه الآية ويواظبون عليها، ويستحب كما في الأذكار أن يقول عقب هذا الدعاء: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وسلم. قلت: خالفه ابن حجر فقال: يأتي بقنوت الصبح ثم يدعو برفع النازلة.
(مسألة): إذا رفع المسبحة في التشهد عند إلا الله أدامها مرتفعة، ولا يضعها بالضاد المعجمة لا بالصاد وفاقاً للمقدسي والسمهودي وخلافاً للجوجري، وإن نظر في العباب أي قال يضعها اهـ.

.الذكر والدعاء خلف الصلاة:

(مسألة): يستحب قراءة الفاتحة عقب الصلاة، ولم يزل العلماء يواظبون عليها، وقد صنف في فضلها كتب كثيرة، وقد ألهم الله هذه الأمة قراءة هذه السورة العظيمة والإكثار منها عند حضور الجماعة وعند افتراقها من غير إشعار منهم، بما فيها من الفضل وكثرة الثواب ودفع الضرر، وغير ذلك من الفوائد والأسرار المودعة فيها، فإنها أعظم سورة بمعنى أفضل، بل في تفسير الواحدي عن علي كرم الله وجهه مرفوعاً ما يدل على استحباب قراءتها عقب كل صلاة مع آية الكرسي، وشهد الله، وقل اللهم إلى آخرها، ولا ينبغي للمصلي على النبي خفض رأسه، بل الأوفى تركه، ولزوم الأدب والسكينة والوقار عند ذكره، نعم إن كان ذلك ناشئاً عن خضوع وخشوع بسبب ذكر النبي واستحضار حرمته ورفعة منزلته فلا بأس، وربما كان لاستغراق المصلي فهذا أمر محبوب.
(مسألة): ظاهر كلام الأصحاب أن التحول إلى الجانب الأيمن بأن يجعل يساره إلى المحراب ويمينه إليهم وقيل عكسه خاص بالإمام فقط، وهذا لا ينافي استحباب الذكر والدعاء بعد السلام، إذ لا يلزم من القيام ترك الذكر، ولا من الذكر ترك القيام، ولا فرق في التحوّل بين الظلمة وغيرها، ولا يغنيه عنه جهر المبلغ بالأذكار، واختار الحافظ ابن حجر في فتاويه أن الإمام إن كان ممن يذكر المأمومين أو يدرسهم أو يفتيهم فأولى أن يستقبلهم وإلا فيستقبل القبلة، قال البلقيني: كما استمر عليه الأئمة في الأمصار ليصير الكل مستقبل القبلة، وقال بعضهم: يستقبلهم في الدعاء.
(مسألة): قال الحافظ ابن حجر وتبعه السمهودي: مقتضى الحديث أن الذكر والدعاء عقب الصلاة يقال عقب الفراغ منها وإن تأخر يسيراً، بحيث لا يعدّ معرضاً أو ناسياً أو متشاغلاً اهـ. وظاهره أنه يفوت بالإعراض، وما قاله السمهودي إن كونه قبل الراتبة هو من حيث الأكمل، والأولى لا أنها تفوت بالتأخير، وإذا قلنا باستحباب قضائها، فأتى بها عند النوم قاصداً بها ذكر الصلاة، والنوم لم تتأدّ بها السنتان، ولا تقاس بإجزاء خطبة واحدة عن الكسوف والعيد لأن المقصود ثم الوعظ.
(مسألة): قال ابن العماد: يحرم الجلوس في المحراب بعد الصلاة، وتوجيه كلامه أن الوقف يعتمد على القرائن التي حكمها حكم شرط الواقف، والواقف لم يقصد بالمحراب القعود فيه والغالب فيه قصد الصلاة للإمام.

.شروط الصلاة:

(مسألة): تصح صلاة العامي الذي لا يميز فرائض الصلاة من سننها بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض، كما صححه في المجموع عن فتاوى الغزالي، نعم هو مأثور بترك التعلم، إذ معرفة ذلك من فروض الأعيان، قلت: وافقه (م ر) وجزم ابن حجر بالصحة حتى من العالم.
(مسألة): لو كان بسترة مصلّ خرق ولم يجد ما يسده وجب وضع كفه عليه لكن يراعي السجود، كما أن القارىء يتم الأركان، وفي حاشية السمهودي عن الأذرعي القياس وجوب وضع ظهر كفه على قبله، والأخرى على دبره في معظم الصلاة إذا لم يجد شيئاً، فقوله في معظم الصلاة واحد لما ذكرنا، قلت: وافقه (م ر) وقال ابن حجر يتخير بين الوضع على الخرق والوضع على الأرض، لأنه تعارض في حقه واجبان، ومال الخطيب إلى إبقائها على الخرق قال: لأن وضعها في السجود مختلف فيه بين الشيخين، وقوله ولم يجد ما يسده مثله في التحفة فظهر بذلك أنه إذا وجده يلزمه قطع الصلاة والستر به اهـ.
(مسألة): إذا كثر ذرق الطيور وعمت البلوى به عفي عنه، سواء في المسجد وغيره ما لم يتعمد المشي عليه.
(مسألة): إذا تعدى المكلف ووشم، قال في الخادم ومثله الصبي: إذا فعل به ذلك ثم بلغ وجب عليه إزالته، كما إذا وصل عظمه بنجس ما لم يخف محذور تيمم، وفي الأم ما يؤيد ذلك، قلت: وافقه (م ر) وخالفه ابن حجر في غير المكلف فقال: لا يجب عليه إذا بلغ.
(مسألة): إذا لاقت النجاسة المعفوّ عنها رطوبة حصلت من خارج تعين الغسل، نعم لو كانت الرطوبة من نحو الوضوء عفي عنها كما أفتى به الشيخ زكريا، ويحتمل وهو الأقرب إلحاق بلل رأس المحلوق بتمام حلقه بذلك والجامع بينهما الحاجة.
(مسألة): يعفى عن ذرق الطيور وأرواث الفيران الذي تعم به البلوى في المياه القليلة والمساجد وغيرها، إذ العفو دائر مع عموم البلوى وهو موجود في ذلك.
(مسألة): لو كان على رجله نجاسة حامل لها فأمسكه مصلّ لم يضر، وليس كمن أمسك حبلاً متصلاً بحيوان حامل لها لأنه يعدّ به حاملاً لها، بخلاف إمساك الآدمي الحامل لها، قلت: خالفه ابن حجر وغيره وقالوا: لو أمسك مستجمراً بطلت صلاته.
(مسألة): قولهم تصير المفروضة نفلاً بمناف فرضية بعذر محله إذا قبل الوقت التنفل، فلو ظن دخول وقت المغرب فأحرم بها ثم بان في الثانية عدمه لم تنعقد لامتناع التنفل المطلق قبيل الغروب،ومثله لو بان إحرامه بالظهر قبل وقت الاستواء.
(مسألة): في الأحياء للغزالي: لو سقط رداؤه في الصلاة كره له رده وحمل كلامه على رده حيث لم يحتج إليه ولم ينكشف شيء من عاتقه.

.السجدات:

(مسألة): كرر الفاتحة أو التشهد سجد لعدم مشروعية ذلك، وللخلاف في بطلان الصلاة به، ويعبر عنه بتركه التحفظ المأمور به في الصلاة.
(مسألة): نقل تسبيح الركوع إلى السجود أو عكسه أو إلى القيام، قال الأسنوي: يسجد للسهو، وقال غيره: لم يسجد، ويدل له أنه لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يسجد، لأن القيام محل القراءة، وهو محل التسبيح أيضاً في الاستفتاح وصلاة التسبيح.
(مسألة): رجل كثير الوسواس شك في أفعاله وأقواله في الصلاة والطهارة، ليس له أن يأخذ بغالب ظنه، وإن كان اليقين متعذراً في حقه، لأن الوسوسة مذمومة، ولهذا لم يغتفروا له في تكبيرة الإحرام ولا في التخلف عن الإمام وغيرهما، فلا بد من اليقين على القاعدة.
(مسألة): الراجح فيما إذا سجد الإمام للسهو قبل إكمال المأموم أقل تشهده أنه لا يتابعه بل يتمه، وتخلفه لإتمام ما بقي من واجب تشهده ليدخل وقت سجوده لا يعد فحشاً كما في التخلف لإتمام القراءة، خلافاً لما جرى عليه شيخنا في عبابه من أن الأوجه المتابعة، فعليه فهل يعيد السجود بعد إتمامه التشهد أم لا؟ الراجح من القولين إعادته، لأن الأول إنما كان لمحض المتابعة قبل أوانه، قلت: جرى ابن حجر على ما في العباب لكن قال: ولا يعيد السجود بعد إكمال تشهده، وجرى (م ر) على ما جرى عليه صاحب الفتاوى اهـ. ولو شرع في سجود السهو ثم عنّ له تركه جاز، ولو بعد أن سلم ناسياً ثم عاد له، بخلاف ما لو قصد الاقتصار على سجدة حال شروعه فتبطل به صلاته، نعم لا يؤثر نيته العود بعد السلام مع الاقتصار على سجدة، فلا يبطل بها سلامه الأول وإن سجد.
(مسألة): ترك التشهد الأوّل سهواً ثم عاد إليه بعد ما صار إلى القيام أقرب سجد للسهو على المعتمد كما في الروضة وغيرها، خلافاً لشرح المهذب. قلت: وافقه ابن حجر و (م ر) اهـ.
(مسألة): الجلوس بين السجدتين ركن طويل على المعتمد لا الاعتدال اتفاقاً، ولا يحسبان في التخلف بعذر حتى على القول بالطول، إذ هما غير مقصودين لأنفسهما، وأما بغير عذر فيحسبان على كلا القولين، قلت: اعتمد ابن حجر و (م ر) أنهما قصيران.
(مسألة): شك المأموم بعد إتيانه ببعض التشهد مع الإمام في سجدة من هذه الركعة سجدها وأعاد التشهد معه، ولا يتخلف حتى يسلم، لأنه بان أنه في الجلوس بين السجدتين، قلت: وافقه ابن حجر، قال: ومثله ما لو اعتدلا فشك المأموم في الركوع فيأتي به الخ اهـ.
(مسألة): قرأ آية سجدة في الصلاة لمجرد قصد السجود بطلت صلاته بسجوده لا قبله، كما يؤخذ من سياق شرح الروض، وما في فتاوى الردّاد من الصحة مطلقاً ضعيف.
(مسألة): سجدة ص شكر لقبول توبة داود على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، لإنعام الله على داود بقبول توبته، ويجب اعتقاد عصمة الأنبياء عليهم السلام حتى من الصغائر ولو سهواً، كما نص عليه العلماء المحققون، ولا تغتر بما يذكره نقلة الأخبار، وليس في الحقيقة ما صدر من داود، فقد قيل: إنه خطبها على خطبته، وقيل: بل أحب بقلبه أن يستشهد زوجها ليتزوجها، وقال ابن عباس ما زاد على أن قال لرجل: تخل عن امرأتك، وأما قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي اختبرناه وقوله: {أَوَّابٌ} قال قتادة: مطيع، هذا التفسير أولى، واستغفاره من ذلك، لأن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله تعالى وسنته في عباده مما تحملهم على الخوف منه جلّ جلاله، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به.
(مسألة): مصلي فرض ظن أنه في صلاة أخرى ولو نفلاً فأتم جاهلاً ثم بان له الحال لم تبطل صلاته، خلافاً للقاضي ومن تبعه، كما لو قنت في ركعتي الفجر ظاناً أنها الصبح، بخلاف ما لو شك في الطهارة في التشهد الأول فقام إلى الثالثة ثم ذكر أنه متطهر فتبطل صلاته، والفرق ظاهر، قلت: وافقه ابن حجر، وقوله شك في الطهارة أي تيقن الحدث كما هو معلوم اهـ.

.النفل:

(مسألة): أحرم بالوتر ولم ينو عدداً جاز واقتصر على ما شاء من ركعة إلى إحدى عشرة، قلت: وافقه ابن حجر. وقال (م ر): يقتصر على ثلاث اهـ. وكذا لو نوى عدداً فله الزيادة والنقص بشرط تغيير النية قبله، ومثل الوتر الرواتب والضحى في المسألتين، أي إن قلنا بجواز جمع أربع منها بتسليمة على ما أفتى به النووي، لكن الذي اعتمده السبكي أنه لا يجوز جمع أربع منها بتسليمة، ووافقه عبد الله بن أحمد مخرمة في الرواتب، واختار الجواز في الضحى، قلت: خالفه ابن حجر و (م ر) فقالا: يجوز في غير التراويح الجمع بتسليمة في جميع النوافل، بل قال (م ر) يجوز جمع القبلية والبعدية بتسليمة واحدة، ورجحا أيضاً عدم جواز الزيادة والنقص في غير النفل المطلق اهـ.
(مسألة): يسن الإتيان بسورة الأعلى والكافرون والمعوّذات لمن اقتصر على ثلاث من الوتر، وكذا إن زاد عليها مفصولة أو موصولة، وإن نسي سبح اسم ربك في الأولى أو الكافرون في الثانية أتى بها فيما بعدها، بل لو اقتصر على ركعة قرأ الكل فيها، خلافاً لما يظهر من قولهم يستحب لمن أوتر بثلاث، وللبلقيني القائل محل ذلك حيث فصلها أو اقتصر على ثلاث، قال السمهودي: وإليه أميل.
(مسألة): يسن تخفيف سنة الصبح تخفيفاً نسبياً أي بالنسبة إلى التطويل في نوافل الليل، وبه يعلم أن ضم ألم نشرح، وألم تر إلى الوارد فيهما لا يخرجهما عن التخفيف النسبي، إذ ورد أن من داوم فيهما على ألم نشرح في الأولى، وألم تر في الثانية زالت عنه علة البواسير، لكن لا ينبغي المداومة على هاتين السورتين في النوافل خصوصاً ركعتي الفجر، إذ يؤدي ذلك إلى مخالفة السنة، فقد ثبت في مسلم أنه كان يقرأ في سنة الصبح بقولوا آمنا بالله الخ في الأولى، وقل يا أهل الكتاب الخ في الثانية، وبسورتي الإخلاص فيهما، واتباع السنة أولى، نعم لو أتى بألم وألم في ركعتين قبل الفجر كان أولى وتألقاً مما ذكر.
(مسألة): يسن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، ولم يتقيد من حيث نقل الطلب بكونه في البيت بل يستحب في المسجد وغيره، ويحل ما ورد عن عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك في المسجد إن صح عنه على حال ازدحام الناس في المسجد، ويكون ذلك عذراً في عدم الاضطجاع، فيفصل حينئذ بكلام، أما كون الاضطجاع في المسجد خارماً للمروءة فبعيد لإطلاق الأمر به في حديث أبي هريرة، وقد يكون فعل الشيء الواحد خارماً للمروءة من وجه ومحموداً من وجه آخر.
(مسألة): من عليه فوائت وأراد قضاءها مع الرواتب قدم الراتبة المتقدمة على الفائتة، نعم إن فاتته بغير عذر فينبغي تأخير الراتبة المتقدمة عنها لوجوب الفور في قضائها خروجاً من المعصية، كما هو المعتمد فيمن فاتته الظهر بعذر والعصر بلا عذر، أنه يجب تقديم العصر خلافاً للبارزي وهو محتمل. قلت: وافقه ابن حجر فقال: يجب ذلك وإن فقد الترتيب، وقال (م ر): الترتيب أولى مطلقاً اهـ.
(مسألة): من اقتصر من الرواتب على ركعتين انصرف للمؤكد، ولا يشترط في نيته التمييز بين المؤكد من غيره، كما أفتى به بعض أئمة المتأخرين.
(مسألة): لم يصرح أحد من الأصحاب باستحباب الصلاة على النبي بين تسليمات التراويح، لكن الذي يفهم من عموم كلامهم أنه يستحب الدعاء عقب كل صلاة، والمراد عقب التسليم، وقد صرحوا بأنه يستحب افتتاح الدعاء وختمه بالصلاة على النبي وعلى آله وأصحابه وسلم، فاستحباب الصلاة حينئذ من هذه الحيثية.
(مسألة): وقت التراويح بين أداء العشاء وطلوع الفجر، فلو صلاها قبل أداء العشاء فإن كان عالماً لم تنعقد، أو جاهلاً يحتمل وقوعها نفلاً مطلقاً، كمن صلى سنة الظهر ظاناً دخول وقتها فبان عدمه، ويحتمل وهو الأوجه عدم انعقادها، ويفرق بأن ذاك عالم بوقتها وإنما أخطأ في الاجتهاد، بخلاف هذا إذ من شروط الصلاة معرفة وقتها ولو ظناً بالاجتهاد.
(مسألة): لا تفوت التحية بسجود التلاوة أو ركعة واحدة فيأتي بها بعد ذلك كما أفهمته عبارة الروضة.
(مسألة): صلاة الإشراق غير الضحى على المنقول كما قاله الغزالي والمزجد، لكن في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن صلاة الإشراق صلاة الأوّابين وهي صلاة الضحى اهـ. فعلى المنقول لا بد في نيتها من التعيين كغيرها من ذوات الوقت وينوي بها صلاة الإشراق، بخلاف صلاة الأوّابين بين العشاءين، فالمقصود بها إحياء الوقت، فيكفي في نيتها مطلق الصلاة، ويسن قضاء صلاة الإشراق، وكذا صلاة الأوّابين ينبغي قضاؤها لمن اعتاده، وحكي أن بعض العارفين كان ينوي بركعتي الإشراق الشكر، ولعله أراد الشكر على طلوع الشمس من مشرقها.
(مسألة): صلاة الرغائب من البدع المنكرة كما ذكره ابن عبد السلام وتبعه النووي في إنكارها، وهي جائزة بمعنى لا إثم على فاعلها، والجماعة فيها جائزة أيضاً، نعم لو صلاها معتقداً صحة أحاديثها الموضوعة أثم.

.أحكام المساجد:

(مسألة): مسجد بجانبه موضع في طرفه داخل في حده دلت القرائن على أنه من المسجد بأن لم يعلم حدوثه، أو دلت على أنه من مرتفقاته، بأن كانت فيه زيادة نفع له، كمن مرض من المدرسة أو استمطر وهو بالبرك أو المستحم يجلس فيه ويسرج فيه بالليل، ونحو ذلك من الارتفاقات، لم يجز للناظر ولا لغيره تغييرها وجعلها بركاً ولا غرس شجر فيها، لأن منافع الموضع المذكور مستحقة للانتفاع المذكور، ويأثم الناظر ومن عاونه، ويجب إعادة ما هدمه من جدران المسجد إن أدى فعله لهدم شيء من جدرانه، وليس ذلك كهدم جدار الغير يجب أرش نقصه لا إعادته، ولا كجدار الموقوف وفناء غير تحريز لأنهما مالان، والمسجد ليس بمال بل هو كالحر، ولذلك لا تجب أجرته بالاستيلاء حتى يستوفى، نبه عليه السبكي، وعلى وليّ الأمر منع الناظر من ذلك، ويضمن ما صرفه فيه من غلة المسجد، وإذا وجد مكان غير مسجد ينتفع به انتفاعاً خاصاً، ودلت القرائن على ذلك من غير طعن ولا إنكار حكم له بذلك.
(مسألة): يحرم أن يحدث في المسجد جملون ويجعل فيه ميازيب صغاراً للوضوء، إذا كان بحيث يكون المتوضىء في صحن المسجد المذكور، ما فيه من تغيير هيئة المسجد عما كان عليه من غير مسوّغ شرعاً، بل في ذلك تضييق على المصلين، وتنجيس المسجد بالبول، واستعمال لبقعة من المسجد المهيأ للصلاة في غير ما وضعت له، وفي ذلك امتهان للمسجد بما لا يجوز شرعاً، والمفتى بامتناع ذلك مصيب، والمرخص في ذلك مخطىء آثم.
(مسألة): قول شيخنا في العباب: يكره تعليق العمر الملهية في المسجد يعني بالعمر أوراقاً طوالاً فيها آيات من القرآن مكتوبة بأقلام غلاظ، وفيها مثال للحرمين الشريفين، قال ابن عبد السلام: يكره كراهة شديدة إذا كان بحيث يراها المصلي وتشوّش عليه وإلا فلا بأس، قال الأذرعي: إلا أن يتولد من ذلك تلويث الجدار بإلصاقها فيه أو إفساد تجصيصه ونحوه بضرب المسامير فيه فيحرم.
(مسألة): يحرم وضع المنبر والخزائن والسرر في المسجد، وإن كان لطلبة العلم المنقطعين عن أوطانهم ولم يتضرر بها المصلون، لأن في ذلك تحجيراً وتضييقاً على المصلين، كما لا يجوز وضع المصطبة في الشارع المتسع للمسلمين، وليس هذا كالخيمة المضروبة في المسجد للحاجة فإن ذلك جائز لأنه لا يدوم.
(مسألة): رحبة المسجد بفتح الحاء هي المكان الراحب أي المتسع الذي يجعل غالباً أمام باب المسجد، وهو المكان المحوط لأجل المسجد، وهو أرخص من الحريم، وليس كل مسجد له رحبة ولا كل مسجد له حريم، فقد يوجدان معاً، وقد يوجد واحد، وقد لا، فإذا وقف إنسان بقعة وخط فيها البناء وترك أمام الباب قطعة من تلك البقعة الموقوفة فهي رحبة لها أحكام المسجد، وقد يقف الإنسان داراً محفوفة بالدور ومسجداً، فهذه لا رحبة لها ولا حريم، وتارة يقف البقعة مسجداً، ويكون بجوارها أرض موات، ويتخذ له رحبة، فالمسجد ههنا له رحبة وحريم، ويجب على الناظر تمييز الرحبة من الحريم، ليحترز منها الجنب وتحترم، ويصلى فيها التحية، إذ أحكام المسجد ثابتة لها، والمراد بالحريم ما يحتاج إليه لطرح القمامات والزبالات وقشور الفاكهة ونحوها مما يحتاج إليه عمارة المسجد والمترددون إليه، ولو وقف تلك البقعة وحوّطها ولم يترك منها بقعة خارج الباب، فهذا المسجد لا رحبة له وله حريم، وهذا معنى كلامهم فاعلمه، ويتحقق كون الرحبة من المسجد إما بوقف أو بإطلاق المسجد عليها، وكذا إن جهل حالها أهي من المسجد أم لا، كما قاله السمهودي.
(مسألة): يستحب عقد حلق العلم في المساجد، قال في الجواهر: الأولى بالمعتكف قراءة العلم وتعليمه ومطالعته وكتابته، ومن لازم ذلك الاحتياج إلى وضع الكتب فيه، فارتفاق المدرس بوضع كتبه فيما ذكر، بحيث لا يضيق على المصلين جائز، لأن وضع الكتب وسيلة إلى التعليم المستحب، وللوسائل حكم المقاصد، ولا بأس بإغلاقه في غير وقت الصلاة، كبعد العشاء الآخرة صيانة له وحفظاً لآلته، وهذا إذا خيف امتهانها وضياع ما فيها ولم تدع إلى فتحها حاجة، وإلا فالسنة فتحها مطلقاً كما في المجموع، ويجوز النوم فيه بلا كراهة بقيد عدم التضييق أيضاً، سواء المعتكف وغيره، وإن وضع له فراش، وكذا لا بأس بالأكل والشرب والوضوء إذا لم يتأذ به الناس، ولم يكن للمأكول رائحة كريهة كالثوم وإلاّ كره، وينبغي أن يبسط شيئاً ويحترز من التلويث، ويحرم بناء بيت في سطح المسجد أو رحبته كالبيوت التي بسطوح الجامع الأزهري، والجامع الحاكمي، لأن فيه تحجيراً وتضييقاً على المصلين، ولأنه يثقل سقف المسجد وجداره: كما لا يجوز بناء المصطبة في الشارع المتسع للمسلمين، ولأن ذلك يحول بين اتصال الصفوف، وقد نهى النبي عن الصلاة بين السواري، وليس هذا كالخيمة لما تقدم، ويجب إخراب البيوت المذكورة ونحوها، وإن أدّى إلى تغيير جدار المسجد، ويلزم المتعدي إعادة جدار المسجد كما كان، نعم إن كان في إبقائها شدّ لبنيان المسجد، فينبغي أخذاً مما في فتاوى البلقيني إبقاؤها، ويجوز استعارة أرض الغير وجداره ليبنى عليهما مسجداً، وللمالك الرجوع، وفائدته أخذ الأجرة من غلة المسجد حيث دعت الضرورة إلى الاستعارة للجدار، وليس هذا كمن أعار للدفن ثم رجع بعده لا أجرة له لأن الميت لا ملك له، بخلاف المسجد، ولو كان للمسجد مرافق لم يجز للناظر أن يبنيها مسجداً لما فيه من تغير الوقف، إذ الواقف للمسجد وقفها مرافق، ولا تصير مسجداً بالتخصيص ونحوه، والأحوط كما أفتى به القفال منع الصبيان من تعلم القرآن في المسجد لما فيه من الامتهان وعدم صيانته كما هو مشاهد، وقولهم يجوز إدخال الصبي المسجد أي لغير التعليم لأن ضرر التعليم أكثر، ولا يجوز وضع خزانة فيه، وإن كانت لحاجة من يحيى في المسجد أو يدرس ولم تضيق على المصلين، لأنه قد يتفق فيه الجمع، ولأن فيه تحجيراً، والناظر وغيره في ذلك سواء، ومثلها المنبر في مسجد لا جمعة فيه.
(مسألة): يجوز فتح باب في حائط جداره إلى المسجد بغير إذن الإمام والناظر، قال الأذرعي: مع الكراهة سواء كان المسجد محوّطاً أم لا، بخلاف ما لو كان الجدار للمسجد، فلا يجوز فتحه لأنه تصرف في جدار المسجد.
(مسألة): يجوز إغلاق المسجد في غير وقت الصلاة صيانة له ولآلته عن الامتهان والضياع، فلو فرض أن ناسخاً دخل لنسخ القرآن وكان في جلوسه امتهان للمسجد بسبب من يدخل عليه، وأراد الناظر غلقه لذلك أجيب، ومنع الناسخ المذكور من الجلوس فيه.
(مسألة): استأجر الناظر ذمياً لطلس المسجد فجاء يوم السبت فأُذن له أن يسبت فيه حرم عليه ذلك حيث علم عدم جوازه، كما أشار إلى نحو ذلك السبكي في باب الجزية.

.الجماعة:

(مسألة): لا يسقط فرض الكفاية بصلاة الجماعة دائماً في البيوت، كما صححه في الروضة عن ابن إسحاق خلافاً لما في العباب، وقال في الخادم وغيره: وحيث اكتفى به عند ظهور الشعار في البيوت فإنما يتصور ذلك إذا لم يمنع البيت من الأجانب عند إقامة الصلاة حتى يكون مساوياً للمسجد في ذلك وإلا فلا شعار حينئذ.
(مسألة): لا يجوز نصب العامي الذي لا يميز فرائض الوضوء والصلاة من سننها لإمامة الصلاة، وإن كان مخالطاً للعلماء، ويستفيد منهم ما احتاج إليه من الفقه، لأن ذلك ولاية وهو ليس من أهلها، وإذ قد اشترطوا في الخارص أو الساعي أو الجارح أن يكون فقيهاً فيما ولي عليه، فأولى في نصب الإمام أن يكون فقيهاً بالصلاة، وقد عمت البلوى بتولية العوامّ الجهال في كثير من المساجد، فيجب إنكار ذلك ورفعه إلى ولاة الأمور.
(مسألة): يجب منع الأبرص والمجذوم من الجماعة ومن مخالطة الناس، سواء الإمام وغيره ممن قدر على ذلك، لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(مسألة): تستحب إعادة الصلاة مع جماعة مرة واحدة، فإن زاد على مرة فالظاهر من كلامهم أنه خلاف الأولى، فعلى الجواز يكون استغراق الوقت بالنوافل أولى من استغراقه بالمعادة وهو ظاهر. قلت: خالفه ابن حجر و (م ر) فقالا: لا تجوز في غير الجنازة إلا مرة واحدة.
(مسألة): المعتمد أنه ينوي بالمعادة الفرض ولا تجزيه لو بان فساد الأولى. قلت: وافقه ابن حجر و (م ر) اهـ.
(مسألة): لا يجوز لمن صلى الجمعة إعادتها ظهراً ولا جمعة مع من يصلي الظهر أو الجمعة، بأن جوّزنا التعدد أو أدركها بموضع آخر، إذ مبنى الجمعة على منع التعدد، قلت: خالفه ابن حجر في شرح الإرشاد فقال: تسن إعادة الجمعة جمعة مطلقاً لا إعادة الظهر جمعة إلا للمعذورين.
(مسألة): لا يصح الاقتداء بمن يبدل حرفاً بحرف، أو يسقط بعض الحروف، كما هو الغالب في الأخنّ الذي يخرج القراءة من خيشومه، إلا لمن يساويه في الإبدال والإسقاط، وإذا تصدى هذا للإقراء وكان إقراؤه يورث فيمن يقرأ عليه الإبدال والإسقاط منعوا القراءة عليه.
(مسألة): الصلاة خلف الفاسق مكروهة إلا أن لا يوجد غيره، ومن اشتهرت سرقته، فإن أقيمت بها بينة أو أقرّ بها كان فاسقاً، فإن سرق مستحلاً لذلك كان مرتداً يجب ضرب عنقه إن لم يتب، وتحرم الصلاة خلفه بل لا تصح، ولا يجوز للإمام تولية الفاسق الإمامة.
(مسألة): لا تجب على الإمام نية الإمامة على الصحيح، وتنعقد صلاته فرادى، ولا ينال فضل الجماعة على الأصح، ومن فوائد الخلاف نية وجوب الإمامة في الجمعة والمعادة والمجموعة بالمطر والمنذورة جماعة إن كان إماماً، ووجوب نية الاقتداء إن كان مأموماً.
(مسألة): تصح القدوة بالمخالف إذا علم المأموم إتيانه بما يجب عنده وكذا إن جهل، فإن أخلّ بواجب في عقيدة المأموم لم تصح القدوة به عند الشيخين، وتصح عند القفال، وقال الإمام المجتهد المطلق السبكي ما صححه الشيخان هو قول الأكثرين، لكن قول القفال أقرب إلى الدليل وفعل السلف اهـ. واعلم أن عقيدتنا أن الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة والسفيانين وأحمد والأوزاعي وإسحاق وداود وسائر أئمة المسلمين رضي الله عنهم على هدى من ربهم ويعتدّ بخلافهم حتى داود الظاهري خلافاً لمن استثناه.
(مسألة): إمام المسجد الراتب أحق من غيره مطلقاً، ومحله في المسجد غير المطروق، أما هو وهو الذي جرت العادة بإقامة جماعة فيه بعد أخرى كمساجد الأسواق فلا تكره إقامة الجماعة فيه قبل صلاة إمامه الراتب وبعدها، نعم لو تعنت واحد وقصد الإيذاء والافتيات على الإمام الراتب الذي يواظب على الصلوات في أوقاتها، فكأن يعلم المصلين بالوقت الذي يصلي فيه قبل الإمام وكان ذلك ديدنه، والحال أن فعله يخل بالجماعة المواظبين مع الإمام الراتب ويفرقهم، حرم عليه ذلك لاشتمال تجمعه على مفاسد لم تجر العادة بها على الهيئة المذكورة، فلا يدخل ذلك في استثناء المطروق لا سيما وقد انضم إلى ذلك ما لا يشك أحد في المنع منه، والمتصدي لذلك مرتكب لخطر الفتنة الذي هو مؤدّ للقدح في مروءته، فإن عاند قصره الحاكم وكل من قدر على منعه.
(مسألة): قوله: "ما يأمن الذي يرفع رأسه قبل الإمام" الخ، أي من السجود كما في رواية، قال ابن حجر في شرح البخاري: ويلحق به الركوع لكونه في معناه، ويمكن الفرق بأن السجود له مزيد مزية لقرب الساجد من ربه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو ذكر أحد السببين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل يلحق به، ويمكن الفرق بأن الركوع والسجود مقصودان، ودخول النقص في المقصود أشد من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام ملخصاً اهـ.
(مسألة): إذا قارن الإمام في جميع أفعال الصلاة فاتته الفضيلة في الجميع، وإن قارن في بعضها فاتته في ذلك البعض.
(مسألة): يكره ارتفاع موقف المأموم على إمامه وعكسه، إلا أن يكون مبلغاً عنه، فلا تكره الصلاة في المحل المهيأ للمبلغين للحاجة، وكذا لو حصل ازدحام ولم يجد المأموم إلا موضعاً مرتفعاً على الإمام للعذر.
(مسألة): الانفراد عن الصف مكروه مفوّت لفضيلة الجماعة، وأما تقطع الصفوف وبعدها عما قبلها بحيث يمكن وقوف صف آخر بينهما فخلاف الأولى، ويبعد القول بتفويت الجماعة بترك تسوية الصفوف وسد الفرج وإدراك الصف الأول أولى من إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك الركعة الأخيرة أولى من الصف الأول، للخروج من خلاف الغزالي المصرح بأن فضيلة الجماعة لا تدرك بجزء بل بركعة. قلت: رجح ابن حجر فوات الفضيلة بتقطع الصفوف وتأخرها أكثر من ثلاثة أذرع.
(مسألة): سجد إمامه للتلاوة وهو في أثناء فاتحته فسجد معه ثم أعادها من أولها، فركع الإمام قبل إتمامها عذر إلى ثلاثة أركان طويلة إن كان ناسياً أو جاهلاً أو ذا وسوسة خفيفة وإلا فلا.
(مسألة): انتظر سكتة الإمام ليقرأ فيها الفاتحة فركع الإمام عقب فاتحته، كان حكمه حكم الناسي، أي فيعذر إلى ثلاثة أركان طويلة على المعتمد، خلافاً للزركشي والقماط، قلت: وافقه في التحفة والنهاية.
(مسألة): إذا قام الإمام لخامسة وتحقق المأموم ذلك لم تجز له متابعته موافقاً كان أو مسبوقاً، ويجوز حينئذ مفارقته وانتظاره، وإن لم يعلم المسبوق أنها خامسة فتابعه فيها حسبت له.

.باب صلاة المسافر:

(مسألة): أرسل السلطان رسولاً إلى آخر لقضاء حاجة، فأقام عنده مدة لقضائها، ومراده الارتحال إذا قضيت، قصر في سفره إليه ورجوعه ومدة الإقامة عنده إلى ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج لا فيما زاد عليها، لكن بشرط أن يعرف الجهة التي هو فيها، ويعلم أنه لا يلقاه قبل مرحلتين، فحينئذ يقصر فيهما، وكذا فيما زاد عليهما خلافاً للخادم. قلت: وافقه في جواز القصر فيما زاد (م ر) وخالفه ابن حجر.

.صلاة الجمعة:

(مسألة): إذا عرف شخص من أهل بلد أنهم لا يصلون الجمعة والحال أنها واجبة عليهم وتحقق الترك منهم جاز له أن يصلي الظهر أول الوقت، ولا يجب عليه التأخير حتى يضيق الوقت، نعم هو سنة، قلت: وافقه ابن حجر. و (م ر) اهـ.
(مسألة): أهل بلد يخرجون عنها في بعض السنة إلى المصايف أو البادية، فإن كانوا ينقلون عنها بالكلية بحيث يطلق عليهم اسم السفر ولو قصيراً لم تنعقد بهم في بلدهم حينئذ، وإن لم يكونوا كذلك بأن يتركوا أموالهم بالمساكن انعقدت بهم، وصحت منهم في أماكنهم إن عد من البلد، كما لو لم يطلق عليهم اسم السفر أصلاً بأن كانوا في بساتين خارج البلد وإن خرجوا بأموالهم.
(مسألة): أهل قرية تلزمها الجمعة لاستكمال شروطها فيهم، وكانوا يتركونها في بعض الأحيان فهم آثمون في ذلك، ولا يصح ظهرهم ولا الاقتداء بإمامهم، وإن علم المقتدي أنه يصلي الظهر لبطلانها حينئذ، نعم إن ضاق الوقت عن واجب خطبتين وركعتين انعقدت ظهرهم، وإن فرض في قرية تارة تجتمع فيها الشروط وتارة لا فدخل رجل والإمام في التشهد فلم يدر هل صلاتهم ظهر أو جمعة؟ فالأحوط نية الجمعة إن دلت القرائن ككثرة العدد، فإن بان أنها ظهر استأنف ولا يبني.
(مسألة): إذا خرج أهل بلد منها لسبب واختطوا قرية قريبة من الأولى منفصلة عنها ولو بنحو ذراع بقصد استيطانها، ولم ينووا العود إلى بلدهم وبلغوا أربعين، لزمهم إقامة الجمعة في تلك القرية، فإن صلوها في البلد الأولى أجزأتهم وأثموا بذلك، قاله جماعة، وقال آخرون بالجواز.
(مسألة): إذا اتصلت القريتان بحيث يعدان في العرف قرية واحدة امتنع تعدّد الجمعة حينئذ.
(مسألة): مؤذن الجمعة ابتدع بدعة يوم الجمعة عند دخول الوقت، وإن دخل الناس فيتقدم أمام المنبر قبل دخول الخطيب، ويطلب من الحاضرين الفاتحة لجمع من الناس بعددهم، وكان ذلك يفوت فضيلة أول الوقت، زجر عن فعله ذلك، ومنع من بدعته.
(مسألة): لا يجوز لمن صلى الجمعة إعادتها ظهراً ولا جمعة مع من يصلي الظهر أو الجمعة، بأن جوّزنا التعدد أو أدركها بموضع آخر، إذ مبنى الجمعة على منع التعدد. قلت: خالفه ابن حجر في شرح الإرشاد فقال: تسن إعادة الجمعة جمعة مطلقاً لا إعادة الظهر جمعة إلا للمعذورين.
(مسألة): لو أمكن المعذور عن الجمعة في بلده لخوف نحو ظالم أو غريم إدراكها في غيرها مما يسمع منها النداء وجب عليه المضيّ بشرطه.
(مسألة): إذا أتم الأربعون الجمعة في الركعة الثانية منفردين صحت، بخلاف ما لو انفضوا، لأن الشرط بقاء العدد إلى السلام.
(مسألة): اقتدى بإمام الجمعة بعد رفع رأسه من ركوع الأولى، ثم أحدث الإمام فاستخلف، فأظهر الأقوال جواز ذلك فعليه يتمونها جمعة، وأما هو فالصحيح المنصوص أنه يتمها ظهراً، لأن ما بعد ركوع الأولى حكمه حكم الركعة الثانية. قلت: وافقه ابن حجر و (م ر) اهـ.
(مسألة): مسبوق أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فقام ليأتي بالثانية فاقتدى به آِخر لم يكن مدركاً للجمعة بل يتم ظهراً خلافاً لابن أبي ريف. قلت: وافقه (م ر) وقال ابن حجر: يدرك بذلك الجمعة، وهكذا من أدرك ركعة مع هذا المدرك وهلم جراً حتى يخرج الوقت اهـ.
(مسألة): شخص ممن تلزمهم الجمعة أتى والإمام في الركعة الثانية منها ولم يبق من الوقت ما يسع مجزي ركعتين أحرم بالظهر ابتداء، ولا معنى لإحرامه حينئذ بالجمعة، لأن من شروطها بقاء الوقت يقيناً.
(مسألة): ينبغي للمرقي يوم الجمعة أن يقول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت» ذكره السبكي في الطبقات استطراداً.
(مسألة): يستحب للخطيب لبس الطيلسان، وصرح القاضي بأنه يستحب لكل مصل أن يتعمم ويتطيلس وهو شعار أكابر العلماء، ويستحب رفع اليدين في الدعاء بعد الخطبتين سواء الخطيب وغيره، نعم إن خاف السقوط بسبب الرفع تركه.
(مسألة): لا يشترط قصد الآية في الخطبة، بل لو قصد بالآية الوصية وقراءة الآية انصرف للآية، وكذا لا يشترط قصد بقية الأركان، بل الشرط عدم الصارف، ولا يشترط للخطبة نية كما جزم به في العباب، ولو ترك الخطيب الآية وجلس للفصل فلما قام تذكر فقرأها ثم جلس ثانياً كان جلوسه الأول للفصل، لأن الأصح أن الآية لا تتعين في الأولى، وجلوسه الثاني قاطع للموالاة إن طال.
(مسألة): قال ابن عبد السلام: ذكر الصحابة والخلفاء الراشدين والسبطين والسلاطين بدعة غير محبوبة، فينبغي الاقتصار في الصلاة على رسول الله على ما صح في الحديث، وصح أنه نص على أزواجه وذريته وآله في الصلاة عليه اهـ. قال السمهودي: وفيه نظر لأنه صار شعاراً ظاهراً يورث تركه سوء أدب تاركه، وتخصيص الكراهة بما إذا جازف في وصف السلاطين، بل قال الفارقي وغيره في زماننا: تركه يفضي إلى ضرر وفساد، فيستحب لدفع الضرر فقط، ويقيد بما إذا لم يقطع نظم الخطبة بأن لا يطول إطالة تقطع الموالاة ولم يصفه بما ليس فيه.
(مسألة): يسن لمستمع الخطبة رفع الصوت بالصلاة على النبي، ومثلها الترضي عن الصحابة رضي الله عنهم عند ذكرهم بحيث يسمع نفسه، ويكره زيادة الرفع لأنها تقطع عن سماع الخطبة، ويكره أيضاً ترك الصلاة عليه عند ذكره لحديث: «رغم أنف رجل» الخ، بل أوجب ذلك بعض علماء المذاهب الأربعة وهو المختار، وإذا جرى في الخطبة ذكر اسم الله تعالى جاز للمستمع أن يقول: جل الله أو عز الله ونحوه تعظيماً، إذا لم يكن فيه قطع لسماع واجب الخطبة ممن يعتبر سماعه.
(مسألة): يكره الاحتباء حال الخطبة، وكذا حال دراسة القرآن العظيم ومجالس العلم، لأنه يجلب النوم وينافي هيئة الخشوع، نعم إن كان يعلم من نفسه عادة أن الاحتباء يزيد في نشاطه فلا بأس به حينئذ.

.صلاة الخوف:

(مسألة): لا يستحب حمل السلاح في صلاة الخوف إلا إذا كان في تركه خطر، لأنه لم ينقل عن السلف حمله إلا في حال الاحتياج إليه، بل لو خاف تعرض الهلاك ظاهراً لو تركه وجب الأخذ قطعاً.